أقوال أهل التفسير
قال الطبري في قوله تَعَالَى:﴿ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾[فصلت:٥٤]» ألا أن الله بكل شيء مما خلق محيط علما بجميعه، وقدرة عليه، لا يعزب عنه علم شيء منه أراده فيفوته، ولكن المقتدر عليه العالم بمكانه «. [تفسير الطبري٢١/ ٤٩٥]
حاطه يحوطه حوطا وحيطة وحياطة: حفظه وتعهده، واحتاط الرجل: أخذ في أموره بالأجزم.
ومع فلان حيطة لك – ولا تقل: عليك –أي: تحنن وتعطف.
والحائط: الجدار؛ لأنه يحوط ما فيه، والحواطة: حظيرة تتخذ للطعام.
وكل من أحرز شيئا كله، وبلغ علمه أقصاه فقد أحاط به، يقال: هذا الأمر ما أحطت به علما.
وقوله تعالى: ﴿ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ ﴾ [النمل: 22]؛ أي: علمته من جميع جهاته، وأحيط بفلان: إذ دنا هلاكه فهو محاط به، قال عز وجل: ﴿ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴾[الكهف: 42]، أي: أصابه ما أهلكه وأفسده.
قال الزَّجَّاجيُّ: المحيط جل جلاله في اللُّغةِ اسمُ الفاعِلِ مِن قَولِهم: أحاط فُلانٌ بالشَّيءِ فهو محيطٌ به: إذا استولى عليه، وضَمَّ جميعَ أقطارِه ونواحيه، حتى لا يمكِنَ التخَلُّصُ منه، ولا فَوتُه، فاللهُ عَزَّ وجَلَّ محيطٌ بالأشياءِ كُلِّها..... وحقيقة الإحاطة بالشيء ضم أقطاره ونواحيه وتصييره وسطًا كإحاطة البيت بمن فيه والأوعية بما يدور عليه ثم اتسع فيه واستعمل فيما ذكرت لك لتقارب المعاني.
ويقال حاط فلان فلانًا يحوطه: إذا حفظه، ومنه قيل: اذهب في حياطة الله وحفظه، ويقال: أنا أحوط عليه منك أي: أحفظ له، ويقال: حطني القصاء: أي تباعد عني [اشتقاق أسماء الله ص: 46 -47]
قال الخطابي: المحيط جل جلاله هو الذي أحاطت قدرته بجميع خلقه، وهو الذي أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا [شأن الدعاء ص: ١٠٢
الدليل من القرآن:﴿ أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ ﴾[فصلت 54]
﴿ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾[آل عمران:120
ومنها ست مرات بلفظ﴿ مُحِيطٌ ﴾بالرفع فيما يأتي:
أقوال أهل التفسير
قال الطبري في قوله تَعَالَى:﴿ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾[فصلت:٥٤]» ألا أن الله بكل شيء مما خلق محيط علما بجميعه، وقدرة عليه، لا يعزب عنه علم شيء منه أراده فيفوته، ولكن المقتدر عليه العالم بمكانه «. [تفسير الطبري٢١/ ٤٩٥]
تعظيم الله تعالى ومعرفة كمال صفاته: -
فالمحيط سبحانه لا يغيب عنه شيء في الكون، وأنه مهما تآمر الكافرون وأعداء الدين وخطّطوا ودبّروا فإن الله تعالى محيطٌ بهم، قادرٌ على إحباط مكايدهم وصدّ شرورهم، ولذا فالمتأمل في آيات القرآن يجد ان أكثر ما جاء اسم المحيط جل جلاله في مواضع التهديد والوعيد للكفار والمنافقين، فهو -سبحانه وتعالى- عالم بما يمكرون وما يكذبون، وهو -سبحانه وتعالى- من ورائهم محيط، ولهم بالمرصاد، مردهم إليه، وطريقهم إليه، ولا يفوتونه -عز وجل- ؛ فإلى أين المهرب والمصير؟
الدليل من القرآن:﴿ أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ ﴾[فصلت 54]
﴿ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾[آل عمران:120
ومنها ست مرات بلفظ﴿ مُحِيطٌ ﴾بالرفع فيما يأتي:
في قوله تعالى:﴿ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة 19].
قوله تعالى:﴿ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾[آل عمران 120].
قوله تعالى:﴿ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾[الأنفال 47].
قوله تعالى:﴿ إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾[هود92].
قوله تعالى:﴿ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ ﴾[فصلت آية 54].
قوله تعالى:﴿ وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ ﴾[البروج 20].
ومنها مرتان بلفظ﴿ مُحِيطاً ﴾بالنصب، فيما يأتي:
في قوله تعالى:﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً ﴾[النساء 108].
قوله تعالى:﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاًً ﴾[النساء 126].
أقوال أهل التفسير
قال الطبري في قوله تَعَالَى:﴿ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾[فصلت:٥٤]» ألا أن الله بكل شيء مما خلق محيط علما بجميعه، وقدرة عليه، لا يعزب عنه علم شيء منه أراده فيفوته، ولكن المقتدر عليه العالم بمكانه «. [تفسير الطبري٢١/ ٤٩٥]
وقال أيضًا في قوله:﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا ﴾[النساء:١٢٦] »ولم يزل الله محصيًا لكل ما هو فاعله عباده من خير وشر، عالمًا بذلك، لا يخفى عليه شيء منه، ولا يعزب عنه منه مثقال ذرة«. [تفسير الطبري٩/ ٢٥٢]
وقال ابن كثير في قوله تَعَالَى﴿ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ ﴾ [فصلت:٥٤] أي:» المخلوقات كلها تحت قهره وفي قبضته، وتحت طي علمه، وهو المتصرف فيها كلها بحكمه، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن«. [ تفسير ابن كثير ٧/ ١٨٨].
قال الإمام السخاوي لقوله تعالى :﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾[النساء:١٢٦]، قال في تفسيره (1/ 58): "والمحيط مشتق من الإحاطة، ومن أحاط بالشيء من جميع جهاته حصل له العلم به والاستيلاء عليه والتمكن منه غالبا، فقوله: (والله محيط بالكافرين) يريد أنه مهلكهم كقوله (لتأتنني به إلا أن يحاط بكم) (وأحيط بثمره) ويجوز أن يريد أنه عالم كقوله تعالى ﴿ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ ﴾ [فصلت:٥٤] ﴿قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:12]. [1 /58]
قال الخازن في لباب التأويل: »مُحِيطٌ أي عالم بجميع المعلومات التي لا نهاية لها، أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا«. اهـ [تفسير الخازن لباب التأويل في معاني التنزيل /جـ ٤ / ص 93]
قال الشوكاني: » أحاط علمه بجميع المعلومات وأحاطت قدرته بجميع المقدورات يقال أحاط يحيط إحاطة وحيطة وفي هذا وعيد شديد لأن من أحاط بكل شيء بحيث لا يخفى عليه شيء جازى المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته«. [فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير /ج4 /ص523]
قال القرطبي: »﴿ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ ﴾ [فصلت:٥٤] أَيْ أَحَاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ شيء ... وأَحَاطَتْ قُدْرَتُهُ بِكُلِّ شيء ... وهذا الاسم أكثر ما يجئ في معرض الوعيد، وحقيقته الإحاطة بكل شيء، وَاسْتِئْصَالُ الْمُحَاطِ بِهِ، وَأَصْلُهُ مُحْيِطٌ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الْيَاءِ إِلَى الْحَاءِ فَسُكِّنَتْ، يُقَالُ مِنْهُ: أَحَاطَ يُحِيطُ إِحَاطَةً وَحَيْطَةً، وَمِنْ ذَلِكَ حَائِطُ الدَّارِ، يحوطها أهلها، وأحاطت الْخَيْلُ بِفُلَانٍ: إِذَا أَخَذَ مَأْخَذًا حَاصِرًا مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف: 42] والله أعلم بصواب ذلك«. [تفسير القرطبي /15 /376]
قال السعدي:» المحيط جل جلاله: بكل شيء علمًا، وقدرة، ورحمة، وقهرًا« [تفسير السعدي /ص: ٩٤٧].
قال ابن عاشور: في تفسير قوله تعالى ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الفتح20-21]
فالمعنى: أن الله قدر عليها، أي قدر عليها، فجعلها لكم؛ بقرينة قوله قبله: (لم تقدروا عليها). والمعنى: ومغانم أخرى لم تقدروا على نيلها، قد قدر الله عليها، أي: فأنالكم إياها. وإلا لم يكن لإعلامهم بأن الله قدر على ما لم يقدروا عليه جدوى لأنهم لا يجهلون ذلك، أي أحاط الله بها لأجلكم.
وفي معنى الإحاطة: إيماء إلى أنها كالشيء المحاط به من جوانبه، فلا يفوتهم مكانه، جعلت كالمخبوء لهم. ولذلك ذيل بقوله: وكان الله على كل شيء قديرا إذ هو أمر مقرر في علمهم." [انتهى من التحرير والتنوير 26/180].
أقوال أهل العقيدة
- قال الإمام أحمدُ بنُ حَنبَلٍ: »معنى قَولِ اللهِ جَلَّ ثناؤه: ﴿ وَهُوَ اللَّهُ في السَّمَوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام:3]، يقولُ: هو إلهُ مَن في السَّمَواتِ وإلهُ مَن في الأرضِ، وهو على العَرشِ، وقد أحاط عِلْمُه بما دونَ العَرْشِ، ولا يخلو من عِلمِ اللهِ مكانٌ، ولا يكونُ عِلمُ اللهِ في مكانٍ دونَ مكان، فذلك قَولُه:﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:12]، ومن الاعتبارِ في ذلك: لو أنَّ رجلًا كان في يديه قَدَحٌ من قواريرَ صافٍ وفيه شرابٌ صافٍ، كان بَصَرُ ابنِ آدَمَ قد أحاط بالقَدَحِ مِن غيرِ أن يكونَ ابنُ آدمَ في القَدَحِ، فاللهُ -وله المثَلُ الأعلى- قد أحاط بجميعِ خَلْقِه، من غير أن يكونَ في شيءٍ من خَلْقِه«.[ يُنظر: الرد على الجهمية والزنادقة /ص: 148]
وقال البيهقيُّ: المحيط جل جلاله: »هو الذي أحاطتْ قُدرتُه بجَميعِ المقدوراتِ، وأحاطَ عِلمُه بجَميعِ المعلوماتِ، والقُدرةُ له صِفةٌ قائِمةٌ بذاتِه، والعِلمُ له صفةٌ قائمةٌ بذاتِه«. [يُنظر: الاعتقاد /ص: 67] وقال أبو القاسِمِ الأصبهانيُّ : المحيط جل جلاله »هو الذي أحاطَتْ قُدرتُه بجَميعِ خَلْقِه، وهو الذي أحاطَ بكلِّ شَيءٍ عِلمًا، وأحْصَى كُلَّ شيءٍ عدَدًا«. [يُنظر: الحجة في بيان المحجة 1 / 163]
قال الزجاجي: »فالله محيط بالأشياء كلها؛ لأنها تحت قدرته، لا يمكن شيء منها الخروج عن إرادته فيه، ولا يمتنع عليه منها شيء، وقد قال الله جل جلاله: ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] أي: علم كل شيء على حقيقته، بجميع صفاته فلم يخرج شيء منها عن علمه، وقد قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:١٩]، قال المفسرون: تأويله: مهلك الكافرين، حقيقته أنهم لا يعجزونه ولا يفوتونه؛ فهو محيط بهم« [اشتقاق أسماء الله الحسنى ص: ٤٦ – ٤٧].
قال ابن أبي العز الحنفي في شرحه: "أما كونه محيطا بكل شيء، فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج 20] ﴿أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت 54] ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [النساء 126]
وليس المراد من إحاطته بخلقه: أنه كالفلك، وأن المخلوقات داخل ذاته المقدسة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
وإنما المراد: إحاطة عظمة، وسَعةٍ، وعلمٍ، وقدرة، وأنها بالنسبة إلى عظمته كالخردلة. كما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ما السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن في يد الرحمن، إلا كخردلة في يد أحدكم.
ومن المعلوم - ولله المثل الأعلى - أن الواحد منا إذا كان عنده خردلة، إن شاء قبضها وأحاطت قبضته بها، وإن شاء جعلها تحته، وهو في الحالين مباين لها، عال عليها فوقها من جميع الوجوه، فكيف بالعظيم الذي لا يحيط بعظمته وصف واصف. فلو شاء لقبض السماوات والأرض اليوم، وفعل بها كما يفعل بها يوم القيامة، فإنه لا يتجدد به إذ ذاك قدرة ليس عليها الآن، فكيف يستبعد العقل مع ذلك أنه يدنو سبحانه من بعض أجزاء العالم وهو على عرشه فوق سماواته؟ أو يدني إليه من يشاء من خلقه؟ فمن نفى ذلك لم يقدره حق قدره" [انتهى من "شرح الطحاوية" 2/374]
تعظيم الله تعالى ومعرفة كمال صفاته: -
فالمحيط سبحانه لا يغيب عنه شيء في الكون، وأنه مهما تآمر الكافرون وأعداء الدين وخطّطوا ودبّروا فإن الله تعالى محيطٌ بهم، قادرٌ على إحباط مكايدهم وصدّ شرورهم، ولذا فالمتأمل في آيات القرآن يجد ان أكثر ما جاء اسم المحيط جل جلاله في مواضع التهديد والوعيد للكفار والمنافقين، فهو -سبحانه وتعالى- عالم بما يمكرون وما يكذبون، وهو -سبحانه وتعالى- من ورائهم محيط، ولهم بالمرصاد، مردهم إليه، وطريقهم إليه، ولا يفوتونه -عز وجل- ؛ فإلى أين المهرب والمصير؟
فقال: -سبحانه وتعالى -عن الكافرين: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:19]
وكذلك قال -عز وجل- عن أهل الرياء والبطر: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [الأنفال:47]
وقال عن أهل الشماتة والكيد من الكفار والمنافقين: ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: 120]
وإذا نزل عذاب الله -عز وجل -بقوم؛ فإنه يحيط بهم: ﴿وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ﴾ [هود:84]
والنار يوم القيامة محيطة بالكافرين: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف:29]
فمتى ما تأمَّل العبد معاني هذا الاسم ودلالاته أورثه إيماناً بالله تعالى ويقيناً به وثقةً بوعده.
يغرس في قلب المسلم: -
مراقبة الله تعالى في السر والعلن، فإحاطة الله تعالى بكل شيء علماً واطلاعاً تستوجب من العبد عدم مخالفة أوامر الله تعالى أو الوقوع في معاصيه، وتحثه على إحسان العمل وإتقانه.
الطمأنينة القلبية فالإيمان بالله المحيط جل جلاله ؛ يجعل المؤمن تطمئن نفسه، ويتوكل على ربه ويتقيه، فهو لا يتباطأ عون الله، ولا يقنط من رحمته، ولا يقطع أمله من الفرج؛ فإن الفرج آتيه لا محالة.
فالمحيط جل جلاله يعلم أن خَرْقَ السفينة هي: قمة المعروف، وقتل الغلام هي: قمة الرحمة، وحَبس كنز اليتيمين هي: قمة الوفاء؛ ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف:68] لكن للأمور أوقاتًا وللمقدور عمرًا؛ لا بد أن يقضيه حتى يصل، وكل شيء عند الله بأجل مسمى: (﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران:120] فالله -عز وجل- جعل لكل شيء قدرًا، وله زمنًا لا يتجاوزه، ووقتًا لا يتخطاه، فإذا جاء موعد المقدور فلا يستأخر عن وقته ساعةً ولا يستقدم. وللكربة وقت ثم تزول، ولها زمن ثم تحول؛ فلا يستعجل لحصول المرغوب وإزاحة المرهوب، فالأمر ليس للعبد، فإن العبد عليه بذل السبب والصبر، فنصر الله -عز وجل- وفرجه لا يعز على طالب في أي مكان.
إبراهيم -عليه السلام- يحاط به، ويلقى في النار؛ فتكون بردًا وسلامًا.
يوسف -عليه السلام- يحيط به إخوانه، ويلقونه في الجب، ثم يحاط به مرةً أخرى من امرأة العزيز ومن معها، ثم يسجن؛ لكن الله المحيط -سبحانه وتعالى- رد كيد الأعداء؛ فكانت إحاطتهم نصرًا وفتحًا ليوسف -عليه السلام- ؛ ليكون عزيزًا على خزائن الأرض.
يحاط ببيت أم موسى -عليه السلام- ، فيلقى موسى في اليم، فكانت إحاطتهم فرجًا لها وله؛ فيرجع إليها وهي مطمئنة.
يحيط فرعون بموسى -عليه السلام- ومن معه؛ فكانت إحاطتهم هلاك فرعون، وانتصار موسى -عليه السلام- .
يحيط الكافرون ببيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ؛ فيخرج من مكة طريدًا حزينًا، ثم يحيط الله بأعدائه؛ فيرجع إليها فاتحًا منتصرًا -صلى الله عليه وسلم- .
فالمؤمن كلما استشعر إحاطة الله -عز وجل- : زاد إيمانه، وفرح بربه، وفر إليه خاضعًا لعظمته مستسلمًا لأمره، ممتثلًا لقوله -عز وجل: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾[الذاريات:50].
بِكَ أَسْتَجِيرُ وَمَنْ يُجِيرُ سِوَاكَا
فَأَجِرْ ضَعِيفًا يَحْتَمِي بِحِمَاكَا
إِنِّي أَوَيْتُ لِكُلِّ مَأْوَىً فِي الحَيَاةِ
فَما رَأَيْتُ أَعَزَّ مِنْ مَأْوَاكَا
فَاقْبَلْ دُعَائِي وَاسْتَجِبْ لِرَجَاوَتِي
مَا خَابَ يَوْمًا مَنْ دَعَا وَرَجَاكَا
اللهم! باسمك المحيط نسألك: أن تحيط أعداءنا بالعذاب من عندك، وأن تجعل لنا من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا.
دلالة اسم الله المحيط جل جلاله على التوحيد: -
فلا شك أن اسم الله "المحيط" دال على كمال الله وجلاله وعظمته، فإذا تأمل العبد في هذا الكمال، ثم نظر في المعبودات من حوله، وتأمل ما فيها من المعايب والنقائص حتى في صفات كمالها، فملكهم، وقهرهم، وعلمهم، وقدرتهم، ورحمتهم وغيرها من صفات الكمال ناقصة فيهم، لا محيطة شاملة.
أدرك بذلك أن المعبود الحق هو المتفرد بالوحدانية والمتصف بالكمال والجلال، وليس ذلك إلا لله المحيط، وأدرك- أيضًا- أن كل من دون الله ناقص لا يستحق شيء من العبودية، وبهذا يوحد ربه المحيط بالعبادة.
الخوف من الله "المحيط": -
إن اسم الله "المحيط" يورث في قلوب العباد الخوف من الله ومهابته وإجلاله وتعظيمه؛ إذ هو المحيط بعباده علمًا، وقدرة، وقهرًا، وملكًا، قال تَعَالَى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٢٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ [الإسراء:٦٠].
فهو اسم عظيم يغرس في قلب المؤمن من مهابة الله -تعالى- وعظمته ما لا يخفى، ففيه التربية على التوكّل عليه -سبحانه- والوثوق به، والتّرهيب من عصيانه، والغفلة عن ذكره.
فتأمل كيف أنّ الله -تعالى- غالبا ما يختم آيات الوعد والوعيد بهذا الاسم الكريم؟ قال -عزّ وجلّ- بعد ذكر العصاة والمذنبين: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: 120]، وقال مؤنّسا أولياءه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ [الإسراء: 60]؛ قال ابن عبّاس -رضي الله عنهما-: "النّاس هنا أهل مكّة، وإحاطته بهم إهلاكُهُ إيّاهم", وقال مجاهد: "معنى أحاط بالنّاس: أي أحاطت قدرته بهم، فهم في قبضته، لا يقدرون على الخروج من مشيئته", وقال الحسن: "المراد عصمة نبيّه صلى الله عليه وسلم من النّاس أن يقتلوه، حتّى يبلِّغ رسالة ربّه، أي: وما أرسلناك عليهم حفيظا، بل عليك التّبليغ، فبلِّغ، فإنّا نعصمك منهم، فقدرتنا محيطة بهم.
الخوف من ظلم العباد: -
إذا تأمل العبد في اسم الله، "المحيط" وما فيه من إحاطة علم الله بجميع عمله، وإحاطة قدرته به؛ خاف من أن يظلم أحدًا، أو يعتدي عليه بقول أو فعل أو ظن سوء، وحذر من ذلك أشد الحذر، لا سيما وأن لله المحيط ينتصر للمظلوم ولا يرد دعوته، قال ﷺ: ((ثَلَاثٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمُ؛ الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، يَرْفَعُهَا فَوْقَ الْغَمَامِ، وَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ جل جلاله: وَعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ)).
قال أبو الدرداء: وَإِيَّاكَ وَدَعَوَاتِ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُنَّ يَصْعَدْنَ إِلَى اللهِ كَأَنَّهُنَّ شَرَارَاتُ نَارٍ.
وقال سفيان الثوري: إن لقيت الله بسبعين ذنبًا فيما بينك وبينه تَعَالَى، أهون عليك من أن تلقاه بذنب واحد فيما بينك وبين العباد. [تاريخ دمشق، لابن عساكر (٤٧/ ١٦٨]
ذلك أن حقوق الله مبنية على المسامحة فيغفر الله منها ما شاء، وحقوق العباد مبنية على المشاحة، فيوفي الله أصحاب الحقوق حقوقهم ولا يترك منها شيئًا [ ينظر: الوابل الصيب من الكلم الطيب، لابن القيم /ص: ١٩]
وهذا التأمل- أيضًا- في اسم الله "المحيط" يدعو الظالم إلى التوبة من ظلمه، ورد المظالم والحقوق إلى أهلها، والتحلل منهم، قال ابن القيم: وديوان المظالم لا يمحى إلا بالخروج منها إلى أربابها، واستحلالهم منها.
الثقة بنصر الله "المحيط"
إن الإيمان بإحاطة قدرته سُبْحَانَهُ وقهره لكل شيء، تثمر في القلب الاستهانة بقوة المخلوق من الأعداء الكفرة والمنافقين، بعد الأخذ بأسباب المدافعة لشرهم؛ لأن الله محيط بهم وقاهرهم.
وإذا حصلت التقوى والصبر من المؤمنين، فلن يضرهم كيد الكائدين؛ لأن الله محيط بما يعملون ويكيدون.
قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠]
لا ملجأ من المحيط إلا إليه: -
إن الله تعالى محيط بعباده، لا يقدرون على فوته أو الفرار منه، بل «لا ملجأ منه إلا إليه»، كما قال صلى الله عليه وسلم في دعاء الوتر وغيره، وكل شيء تخاف منه تفر منه إلا الله تعالى، فإنك تفر إليه، قال سبحانه: ﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ [الذاريات:50]، وذلك لتمام وكمال قدرته سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ [الإسراء:60]، وقال سبحانه: ﴿يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان﴾ [الرحمن:33] أي: لا تستطيعون هربا من أمر الله وقدره، بل هو محيط بكم لا تقدرون على التخلص من حكمه، ولا النفوذ عن حكمه فيكم، أينما ذهبتم أحيط بكم، وهذا في مقام الحشر، الملائكة محدقة بالخلائق سبع صفوف من كل جانب، فلا يقدر أحد على الذهاب ﴿ إلا بسلطان﴾؛ أي: إلا بأمر الله: ﴿ يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ كَلَّا لَا وَزَرَ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة:10-12]، وقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: 27] وقال سبحانه: ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ [الزمر:67].
وقال صلى الله عليه وسلم: «يقبض الله الأرض ويطوي السماوات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟.
فليعلم الْعَبْدُ عِلْمًا يَقِينًا بِأَنَّ اللهَ مُحِيطٌ بِعِبَادِهِ، لَا يَقْدِرُونَ عَلَى قُوَّتِهِ أَوِ الْفِرَارِ مِنْهُ، فَكُلُّ مَنْ خِفْتَهُ فَرَرْتَ مِنْهُ إلَّا اللهَ الْمُحِيطَ إِذَا خِفْتَهُ فَرَرْتَ إِلَيْهِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ"، وَقَالَ تَعَالَى: "وَظَنُّوا أَنْ لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ".. فَلَا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ أَنْ يَهْرُبَ مِنْ أَمْرِ اللهِ وَلَا قَدَرِهِ النَّافِذِ؛ لِأَنَّهُ الْمُحِيطُ بِنَا، لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْ حُكْمِهِ، وَلَا نُفُوذَ لَهُ عَنْ حُكْمِهِ .. فَفِرُّوا إِلَى اللهِ تَجِدُوا الْخَيْرَ وَالسَّعَةَ وَالسَّعَادَةَ .
محبة الله المحيط جل جلاله: -
إذا تعرف العبد على اسم ربه المحيط وتأمل ما فيه من صفات الكمال والجلال؛ قاده ذلك إلى محبته سُبْحَانَهُ؛ إذ القلوب فطرت على محبة من له الكمال.
ثم إذا تأمل- أيضًا- ما فيه من إحاطة الله لأوليائه بالحفظ والرعاية والنصر على الأعداء؛ زاده ذلك حبًّا وتعلقًا بربه المحيط. ثم إذا ضم إلى هذه الصفة الكريمة صفة أخرى كالحلم والقدرة مثلًا، فتأمل كيف أن ربه المحيط أحاط بذنبه وتقصيره وسيء عمله، وهو قادر على معاجلته بالعقوبة وسلب النعمة التي عصاه بها، إلا أنه مع ذلك حلم وأمهل ولطف؛ زاده ذلك حبًّا لله.
فاللهم يا من أحاط سمعه بالأصوات، وأحاط بصره بالمرئيات،
وأحاط بما تخفي الصدور، ارزقنا خشيتك في الغيب والشهادة.